حظر النفط في حرب السويس

التاريخ: ١٩٥٦

 

التعبئة العامة - معركة السويس
 
هاجمت الكتيبة رقم 202 من المظليين الإسرائيليين في 29 تشرين أول صحراء سيناء. وفي الوقت نفسه تقدمت الدبابات الإسرائيلية في قلب الصحراء لملاقاة المظليين. وبعد ساعتين من بدء العدوان، تلقت جميع محطات العالم النبأ. وإذا كانت طلائع الاستغراب لم تظهر في لندن وباريس، ذلك أنهما كانتا على علم بالأمر. فالوضع كان يختلف في سائر العواصم العالمية، فطلبت الحكومة الأمريكية انعقاد مجلس الأمن فوراً.وتجدر الإشارة إلى أن توقيت الهجوم الإسرائيلي جاء في الزمن الذي كان يتوقع فيه أن تبرم الدول العربية ميثاق توحيد القيادة العسكرية. وقد تقرر ذلك إثر اجتماع الوفود العربية (مصر، المملكة العربية السعودية، لبنان، والأردن) في كانون أول في الرياض.
 
واستناداً إلى المعاهدة الثلاثية (25 أيار سنة 1950م)، أنذرت بريطانيا وفرنسا كلاً من إسرائيل ومصر بوقف القتال تحت طائل التدخل العسكري. وفي 30 تشرين أول، تقدمت الأساطيل البحرية والجوية البريطانية-الفرنسية المشتركة منطلقة من قبرص باتجاه قناة السويس. فهبت الولايات المتحدة وشجبت الاعتداء الذي كانت قد عارضته بالطرق الدبلوماسية. وأمر الرئيس الأمريكي الأسطول السادس بالإبحار نحو القنال ومحاولة عرقلة سير الأساطيل البريطانية-الفرنسية.
 
لكن فرنسا وبريطانيا ضربتا صفحا عن تهديدات أميركا. كان القصد من ذلك الاستعجال في عمليات الاحتلال لوضعها أمام الأمر الواقع. وقامت طائرات المعتدين بإلقاء القنابل على الأراضي المصرية. واصطدمت فرق الكوموندوس مع الجيش والشعب المصري. وضربت الطائرات المعتدية مطارات مصر وموانيها. فأنزلت بها أضراراً فادحة.
 
وسجلت المعركة خسائر جسيمة بالنسبة للطرفين. فرفعت مصر شكواها إلى مجلس الأمن. وكان الرأي العام العالمي إلى جانبها. فأصدر مجلس الأمن في 4 تشرين ثاني بخمس وسبعون صوتاً مقابل لا شيء قراراً يقضي بوقف القتال فوراً وانسحاب بريطانيا وفرنسا وإسرائيل من مصر وإدانة المعتدين.
 
وعلى أثر صدور القرار، هدد الاتحاد السوفيتي في 5 تشرين ثاني لندن وباريس وتل أبيب بضربها بالصواريخ الموجهة إذا لم تنسحب. وعملا بتكتيك سياسي مقصود، سبق الإنذار قرار مجلس الأمن إلى مسمع الرأي العام عن طريق الإذاعات ووكالات الأنباء، فاكسب السوفيت دعاوات في العواصم العربية كانوا يسعون وراءها. وفي 6 كانون ثاني استنجدت مصر بالصين الشعبية لإرسال المتطوعين. وفي نفس الوقت حدثت ثورة المجر وقيل في صددها أنها حدثت بغية تحويل أنظار موسكو عن مصر.
 
وكان هدف العدوان يرمي إلى الإطاحة بالرئيس عبد الناصر وإعادة اللواء محمد نجيب والعودة إلى القنال واسترجاع موطئ قدم في مصر. أما بالنسبة لإسرائيل فكانت غايتها الاستيلاء على جزء من خليج العقبة لفتح ثغرة مرور على البحر الأحمر فكان لها مع الأسف ما أرادت. فقد وافق الرئيس عبد الناصر على دخول البوليس الدولي إلى منطقة القنال. وانتهت المعركة بعودة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على أعقابها.
 
وكانت غاية مصر من تأميم القنال ترمي إلى إنجاز مقومات السيادة المصرية، وبالتالي الاستعاضة عن القروض بزيادة دخل شركة القنال التي كانت تبلغ مائة مليون دولار سنوياً وأهم من هذا كله اعتبرت هذه الخطوة أقوى صفعة يوجهها الشرق العربي إلى الغرب بعد انتصار صلاح الدين.
 
الملك سعود يقود المعركة
 
 
كان الملك سعود أول من اتصل بالرئيس عبد الناصر ، وأول من أعلن التعبئة العامة صباح اليوم التالي للعدوان (29 تشرين أول 1956م). فعرض على الرئيس المصري كل مساعدة . ثم قطع البترول عن بريطانيا وفرنسا . وعلى هذا الأثر ، حذت سورية والأردن حذو المملكة العربية السعودية . وقامت مظاهرات في بيروت والبحرين ، وثارت ثائرة الليبيين ، فطلبت الحكومة البريطانية من رعاياها مغادرة البلاد . وقد وقف الملك إدريس السنوسي موقفا مشرفا من مصر ، فلم يسمح للقوات البريطانية بالمرور عبر أراضيه ، وفي مصر أعلنت حالة الطوارئ ، وكذلك في لبنان .
 
وفيما يلي نص البلاغ الذي أصدرته وزارة الدفاع والطيران في السعودية .
 
•  نظرا لمقتضيات الأحوال الطارئة ، يأمر وزير الدفاع والطيران جميع المجازين من الضباط والموظفين وصف الضباط والجنود ، بالعودة إلى وحداتهم فوراً.
 
•  يجب الإسراع في العودة.
 
•  على أمراء وقادة المناطق ومديري المطارات ،ترحيل كل من يراجعهم إلى مناطقهم .
 
• ‌أ- الجيش السعودي يتجه إلى الأردن.
 
وأصدرت هذه الوزارة في الغادة البلاغ الآتي:
 
تحرك الجيش السعودي إلى الأردن ، وهو الآن على وشك الدخول إلى الحدود الأردنية ، وذلك تضامنا مع أشقائه العرب والغاية من إرساله إلى الأردن أن يكون قريباً من الميدان.
 
• ‌ب- افتتاح مكاتب التطوع.
 
وافتتحت وزارة الدفاع مكاتب للتطوع في جميع أنحاء المملكة ، تقبل الذين يريدون التطوع للانضمام إلى الجيوش العربية ، فتقاطر إليها الكثيرون وفي المقدمة أمراء البيت السعودي ، وتقلدوا السلام واشتركوا في التمرينات العسكرية .
 
لم يكتف الملك سعود بهذا القرار ، بل نزل بنفسه إلى وزارة الدفاع وأخذ يشرف شخصياً على عمليات التطوع وتسلم الأسلحة.
 
الملك سعود يناشد الملوك والرؤساء
 
وأرسل الملك سعود فور وصول نبأ العدوان برقيات إلى( ملك المغرب ، ملك ليبيا ، إمام اليمن ، رؤساء سوريا، لبنان ، السودان ، والبلاد العربية الأخرى) بالدعوة لتأييد مصر والوقوف إلى جانبها ، وهذا نصها:
 
" علمنا في هذا الصباح ، بالاعتداء اليهودي على الأراضي المصرية ، وهذا لا يستغرب من هذه الفئة الغادرة لأن هدفهم القضاء على العرب جميعاً.
 
إن الذي نرجوه هو المبادرة بالتعبئة العامة ، والاستعداد للذود عن البلاد العربية ضد تطاول اليهود.
 
ولقد أمرنا بالتعبئة العامة ، والاستعداد للقيام بالواجب ، ونرجو أن نتكاتف جميعا للذود عن البلاد العربية ورد العدوان عنها.
 
ونرجو أن ينصر الله دينه ، ويعلي كلمته ، وعلى الباغي تدور الدوائر ".
 
وأرسل إلى الرئيس عبد الناصر البرقية الآتية:
 
" علمت بالعدوان اليهودي هذا الصباح ، إننا وقواتنا وكل إمكانياتنا حاضرون للمعاونة في رد العدوان ، وما داموا أنهم بدأوا في هذا العدوان ، فعلى الباغي تدور الدوائر . إذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير " . صدق الله العظيم.
 
فتلقى منه الرد الآتي :
 
" وأشكر جلالتكم أبلغ الشكر على برقيتكم التي تفضلتم بها بمناسبة العدوان اليهودي ، وقد كان لما حملته من صادق التضامن ، أعمق الأثر في نفسي .وأنني لعلى ثقة بأن الله جلّت قدرته سيرعانا برعايته ، ويكتب لنا النصر الوطيد في سبيل عزة العرب وكرامتهم ".

تاريخ الملك سعود تاليف سليم واكيم

 
 
استنهاض الدول العربية 
 
 
 
حظر النفط في حرب السويس
 
 
دعماً من الملك سعود للدول العربية ، وبعد تأمين شركة قناة السويس في شهر ذي الحجة 1375هـ ( 26 تموز 1956م ), وبالرغم من أن الحكومة المصرية لم تستشره أو تشركه مع سوريا في اتخاذ هذا القرار بخلاف التوقعات كحليف عسكري ، إلا أنه نهض لتأييد مصر بالرغم من خطورة قرار التأمين وردة الفعل التي يمكن أن تحدث بسببه . واستطاع أن يكسب ملك العراق فيصلاً الثاني إلى صفه عبر اجتماع في الدمام في صفر 1367هـ ( 20 كانون الأول 1956م ) أعقبه وفي نفس الشهر ونفس المكان اجتماع مع الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي أبدى لهما فيه تأييده ودعمه الكامل لموقف مصر في هذه الأزمة .
 
وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين أول 1956م ( ربيع الأول 1376هـ ) نتيجة لقرار التأمين ، أعلن الملك سعود التعبئة العامة وأمر بفتح مكاتب للتطوع ، وعرض على حكومة مصر كل مساعدة ، وأشرف على العمليات شخصياً واستقبل الطائرات الحربية المصرية لحمايتها من التدمير . وكان أول المتطوعين الأمير فهد بن عبد العزيز - خادم الحرمين الشريفين - والأمير سلطان بن عبد العزيز والأمير سلمان بن عبد العزيز والأمير فهد بن سعود والعديد من الأمراء .
 
وكوسيلة للضغط على حكومتي بريطانيا وفرنسا قام الملك سعود بقطع النفط عنهما كسلاح لم تواجهه هذه البلدان من قبل ، ومنع " جميع السفن البريطانية والفرنسية " وغيرها من السفن المتجهة بحمولتها إلى هذين البلدين من النفط السعودي . وقطع العلاقات معهما . لقد استخدم الملك سعود سلاح النفط لأول مرة بالرغم من علمه بالنتائج السلبية التي يمكن أن تعكسها هذه الخطوة على الاقتصاد المحلي [1] .
 
استمر دعمه بعد الحرب لإزالة آثار العدوان فقدم المساعدات السخية ، ومنها تبرعه بمليوني ريال للهلال الأحمر المصري لمساعدة منكوبي مدينة بور سعيد المدمرة ، ووفاءً لنهجه ورغبة منه في أن يرى المنطقة خالية من تكتلات سياسية ودفاعية تهدف إلى تأييد دولة عظمى ضد أخرى ، وبالرغم من صلاته المتينة بالنظام الأمريكي واعتماده عليه في مجالات شتى بسبب النفط واكتشافه وإنتاجه ، إلا أنه فكر جدياً في إلغاء التسهيلات المقدمة للولايات المتحدة باستخدام مطار الظهران كوسيلة من وسائل الضغط على أمريكا واستمراراً في مساعيه الفورية والمتخذة لإزالة آثار العدوان على مصر .

 

[1] ( 488. P ) , 1960 MECHLN, BENOIST , LEROISAUD, PARIS ميشان ، بينوا . الملك سعود ، ( 1960م ) (ص488 )